عبد الرحمن بن ناصر السعدي

408

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

الأحاديث ) * . ومن المناسبة في رؤيا الفتيين ، أن الرؤيا الأولى ، التي رأى صاحبها ، أنه يعصر خمرا ، أن الذي يعصر خمرا في العادة ، يكون خادما لغيره ، والعصر يقصد لغيره ، فلذلك أوله بما يؤول إليه ، أنه يسقي ربه ، وذلك متضمن لخروجه من السجن . وأول رؤيا الآخر ، أي : أنه يحمل فوق رأسه خبزا ، تأكل الطير منه ، بأن جلدة رأسه ولحمه ، وما في ذلك من المخ ، أنه هو الذي يحمل ، وأنه سيبرز للطيور ، بمحل تتمكن من الأكل من رأسه ، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه ، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل . وأول رؤيا الملك ، للبقرات والسنبلات ، بالسنين المخصبة ، والسنين المجدبة ، ووجه المناسبة ، أن الملك ، به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها ، وبصلاحه تصلح ، وبفساده تفسد ، وكذلك السنون ، بها صلاح أحوال الرعية ، واستقامة أمر المعاش ، أو عدمه . وأما البقر ، فإنها تحرث الأرض عليها ، ويستقى عليها الماء ، وإذا أخصبت السنة ، سمنت ، وإذا أجدبت ، صارت عجافا ، وكذلك السنابل في الخصب ، تكثر وتخضر ، وفي الجدب ، تقل وتيبس وهي أفضل غلال الأرض . ومنها : ما فيها من الأدلة ، على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قص على قومه هذه القصة الطويلة ، وهو لم يقرأ كتب الأولين ، ولا دارس أحدا . يراه قومه ، بين أظهرهم ، صباحا ومساء ، وهو أمي لا يخط ولا يقرأ ، وهي موافقة ، لما في الكتب السابقة ، وما كان لديهم ، إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون . ومنها : أنه ينبغي البعد عن أسباب الشر ، وكتمان ما تخشى مضرته ، لقول يعقوب ليوسف : * ( لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) * ، ومنها : أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره لقوله : * ( فيكيدوا لك كيدا ) * . ومنها : أن نعمة الله على العبد ، نعمة على من يتعلق به ، من أهل بيته ، وأقاربه ، وأصحابه ، وأنه ربما شملهم ، وحصل لهم ما حصل له سببه ، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف * ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ) * ، ولما تمت النعمة على يوسف ، حصل لآل يعقوب ، من العز والتمكين في الأرض ، والسرور والغبطة ، ما حصل بسبب يوسف . ومنها : أن العدل مطلوب في كل الأمور ، لا في معاملة السلطان رعيته فقط ، ولا فيما دونه ، بل حتى في معاملة الوالد لأولاده ، في المحبة والإيثار ، وغيره ، وأن في الإخلال بذلك ، يختل عليه الأمر ، وتفسد الأحوال . ولهذا ، لما قدم يعقوب يوسف في المحبة ، وآثره على إخوته ، جرى منهم ما جرى على أنفسهم ، وعلى أبيهم وأخيهم . ومنها : الحذر من شؤم الذنوب ، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة ، ولا يتم لفاعله ، إلا بعد جرائم . فإخوة يوسف ، لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه ، احتالوا لذلك بأنواع من الحيل ، وكذبوا عدة مرات ، وزوروا على أبيهم في القميص والدم ، الذي فيه ، وفي إتيانهم عشاء يبكون ، ولا تستبعد أنه قد كثر البحث فيها ، في تلك المدة ، بل لعل ذلك اتصل إلى أن اجتمعوا بيوسف ، وكلما صار البحث ، حصل من الإخبار بالكذب ، والافتراء ، ما حصل ، وهذا شؤم الذنب ، وآثاره التابعة ، والسابقة ، واللاحقة . ومنها : أن العبرة في حال العبد ، بكمال النهاية ، لا بنقص البداية ، فإن أولاد يعقوب ، عليه السلام ، جرى منهم ما جرى ، في أول الأمر ، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم ، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح ، والسماح التام ، من يوسف ، ومن أبيهم ، والدعاء بالمغفرة والرحمة ، وإذا سمح العبد عن حقه ، فالله خير الراحمين . ولهذا في أصح الأقوال أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى : * ( وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) * ، والأسباط هم : أولاد يعقوب الاثنا عشر ، وذريتهم . ومما يدل على ذلك ، أن في رؤيا يوسف ، أنه رآهم كواكب نيرة ، والكواكب فيها النور والهداية ، وذلك من صفات الأنبياء ، فإن لم يكونوا أنبياء ، فإنهم علماء هداة . ومنها : ما من الله به على يوسف ، عليه الصلاة والسلام ، من العلم ، والحلم ، ومكارم الأخلاق ، والدعوة إلى الله ، وإلى دينه ، وعفوه عن إخوته الخاطئين ، عفوا بادرهم به ، وتم ذلك بأن لا يثرب عليهم ، ولا يعيرهم به . ثم بره العظيم بأبويه ، وإحسانه لإخوته ، بل لعموم الخلق . ومنها : أن بعض الشر ، أهون من بعض ، وارتكاب أخف الضررين ، أولى من ارتكاب أعظمهما ، فإن إخوة يوسف ، لما اتفقوا على قتل يوسف ، أو إلقائه أرضا وقال قائل منهم : * ( لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ) * كان قوله أحسن منهم وأخف ، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير . ومنها : أن الشيء إذا تداولته الأيدي ، وصار من جملة الأموال ، ولم يعلم أنه كان على غير الشرع ، أنه